08‏/09‏/2012

ما العمل؟ | من يكون؟

زياد الرحباني
في النهاية، نحن الآن في هذه اللحظة، اذا أردنا أن نتداول بما هو حاصل في الشمال، مضطرون للقول إنَّ معارك شديدة مثلاً تتجدد على محور مخيم نهر البارد بين مواقع الجيش و ... من؟ لن يختلف اثنان على أن الطرف الثاني هو: «فتح الإسلام». إن هذه التسمية أو الشعار أصبح بين ليلة وضحاها، موحداً بيننا، بين الأمِّي والذي يتقن العربية. بين الذي يقرأ صحيفة مرة في الربيع ومرة في أواخر الصيف وبين الذي يقرأ يومياً أكثر من صحيفة. بين الضليع بأخبار الاستعمار وعالمه العربي، وبين من لا يهتم إلّّا بحركة اليورو والاسترليني وعلاقتهما الغرامية المتأزمة مع الدولار الأميركي. «فتحُ الاسلام» اليوم، موحداً بين كل المذكورين أعلاه وبين من لا يقرأ ولا يسمع ولا يشاهد حتى إلّا أخبار نوال الزغبي او «ميشو شو » اذا كانت السيدة نوال مسافرة. وقد أجمعنا على أن هؤلاء المتمترسين بإحكام وإمعان داخل المخيم ليسوا تنظيماً أو حتى فصيلاً فلسطينياً، وهذا جيد، فهو يحصر الموضوع. كما أجمعنا على أنهم من جنسيات متعددة غريبة دون أن نراهم، وعلى أنهم يطلقون على أنفسهم اسم « فتح الإسلام»، الشهير!!!! إن في التسمية هذه، درايةً ومتابعة معمقتين لتاريخ المنطقة. أقصد المنطقة المعروفة بالهلال الخصيب (فلسطين ـــــ لبنان ـــــ سوريا). فكلمة «فتح» داخل مخيم فلسطيني، ماذا يمكن أن تعني بربكم! إنها، مهما كان نوع الالتباس فيها، لن يكون أبداً نوعاً من أنواع الزبدة الدنماركية! إنها فتح يا عالم، إنها قوات العاصفة، إنها، لو تذكرون : « فتح ـــــ لاند » (land). وكلمة الـ «فتح »، في الوقت نفسه مرتبطة بقوة، هنا، بالدين وتحديداً بالدين الاسلامي. لذا، فازدواج المعنى ليس مصادفةً ربيعية، خاصة إذا تَموضَعَ داخل مخيم، وراح يتسلّح. ثم إنه، ضد من يمكن أن يكون تنظيم كهذا، أو بالأحرى، أي إنسان عربي برأي الادارة الاميركية، سوى ضد الاميركيين؟ وهم في ذلك ربما على حق. أمّا المصادفة الثانية فهي أن الادارة الاميركية تشجع كما شجعت دوماً، ومنذ أول ظهور للإخوان المسلمين في مصر، الحركات الدينية في مقابل الاشتراكية، ومهما كان الثمن. أكانت ناصرية أم بعثية أم ديموقراطية أم استوائية. تشجع ضدها وتتهمها مباشرة بالشيوعية، أي تسرِّع بالنيابة عنها في عملية تطورها نحو آخر مراحلها. وتأتي المصادفة الثالثة، والأكثر نجاحاً وإقبالاً جماهيرياً وهي التقاء فتح الاسلام أو علاقته المباشرة بتنظيم «القاعدة ». وهنا كما تعودنا مؤخراً، تكون خاتمة الاحزان... الأميركية. القاعدة يا اخوتي هي اليوم، عدو الكرة الأرضية بامتياز، إنها البعبع الكبير، إنها أكبر بعبع في قصص الاطفال. هذا الذي لا يُقتَل لا بالرصاص ولا بالطيران ولا بالنار ولا بالكهرباء ولا قهراً طبعاً، فكيف بالحياء؟!
من يكون أبو جندل؟ من هو بلال المحمود؟ من هم جماعة «فتح الاسلام»؟؟ وماذا ينفع أو يعني أن يتبعوا «القاعدة »؟ فمن هي «القاعدة» أساساً؟ ربما كانت فتح الاسلام فرعاً لها في لبنان بالتحديد، وكنا حتى البارحة نعتقد أننا نتبع، بحسب «القاعدة»، «جند الشام»، لكون القاعدة والجهاد ـــــ بلاد الرافدين، أبعد عنّا باتجاه العراق. كنا وبحسب علمي ربما ممثلين في القاعدة المذكورة بـ «نصرة الشام» أو «عصبة الاسلام». لقد كان تنظيم «أنصار الله» يبدو أكثر تغطية من «فتح الاسلام» المحلي، كما هي الجماعة السلفية الجهادية ـــــ مصر. لكن، وبعد كل ذلك، من هم كل هؤلاء؟ إنهم مجاهدون بلا شك وعدائيون وهذا واضح. لكن الاطار السري المشترك بينهم، لنشاطهم، يجعل الجواب أعقد. من يخترع كل هذه الأسماء؟! هل يخترعونها هم؟ طيب من اخترعهم، هم؟ ولماذا هم يزدادون كل يوم وتزداد معهم الأسماء والفروع إن كانوا فعلاً تابعين كلهم للقاعدة؟ أو ليس توحيد الجهود ضد الامبريالية الاميركية والأوروبية أسهل إن بدأ التوحيد بينهم بالاسم نفسه؟ (لقد نسينا «خليّة هامبورغ»، ربما كانت هي «القاعدة »!) من هو وأين هو أسامة بن لادن؟ لا يمكن أن يكون مختبئاً عند أيمن الظواهري. فأبسط قواعد الاختفاء والتمويه والحيطة هي التفرق.
إن الشيء الوحيد الأكيد اليوم، وبعد أحداث 11 أيلول، هو أن برجي التجارة العالميين تعرضا لهجوم رهيب من حيث فاعلية الأداء والتنفيذ، وذلك قبل أن يكون إرهابياً. والشيء الأكيد الثاني هو أن الكاميرا الرئيسية التي صوّرتهما بوضوح، كانت مركزة في هذه الزاوية المثالية للرؤية، منذ أن بوشِرَت صناعتها. إن الكاميرا هذه رُكِّبَت وجُمعت «في أرضها»، في هذه الزاوية الناجحة لتصوير انهيار البرجين بأفضل حلّة.
يُقال، ويُقال في الإعراب فعلٌ مجهول، والإدارة الأميركية ليست مجهولة. إذاً، فالادارة الأميركية هي التي تقول ما يُقال، وهو أنَّ تنظيم القاعدة هو من قام بعملية 11 أيلول. أظن، أعزائي، أننا متى عرفنا من قام فعلاً باقتحام البرجين، ومن هم هؤلاء الذين عُمِّمَت واشتهرت صورهم ربطاً، أمكننا أن نعرف من هي «القاعدة» وبالتالي أين هي، وأين بن لادن وبالتالي كل الباقين. أمَّا الآن وإلى حينه فكل اسم وَرَدَ في هذا المقال: من يكون؟ إن الادارة الاميركية شخصياً، ومنذ انهيار الاتحاد السوفياتي، أين هي بالضبط ومن تكون؟ طبعاً هي لن تحتمل شخصياً ظروف مخيم نهر البارد المعيشية.
سياسة
العدد ١٨٠٣ السبت ٨ أيلول ٢٠١٢

07‏/09‏/2012

ما العمل؟ | فعلاً ما العمل؟

زياد الرحباني
كيف يمكن أن تعمل مع إنسان لا يحمل ساعة يد؟ ولا ساعة حائط طبعاً، فهي كبيرة على اليد. ولا أيّة ساعة اخرى متدلية مثلاً من أُذنه أو ملفوفة حول الرقبة من تصميم «غوتشي»، ولا مثبّتة في مناخيره يخرج الكوكو منها كلّ ساعة؟ في أيّة ساعة يأتي إليك؟ أيّة ساعة يتصل بك ليأتي إليك أو يلغي الموعد؟ وبناءً على ساعة مَن يكون في طريقه اليك؟ وإن وصل، فهل يعرف أية ساعة وصل، وكيف يعرف إن هو وصل على الساعة المُتّفق عليها؟ وإن أتى قبل الساعة المذكورة او بعدها، فكيف تقنعه بأنه أتى باكراً أو تأخّر؟ ما الذي يمنعه من أن يقول لك إن ساعتك غير مضبوطة «تماماً» !!!؟ وبمَ سيُجيبك إن سألته: في أيّة ساعة يعتقد أنه سينتهي من هذا الجدل ومن ثم العمل الذي تكفّل بإنجازه؟
في المقابل، كيف تعمل مع إنسان ثانٍ يحمل ساعة يد، وحين تسأله في أيّة ساعة سيأتي؟ يجيبك: لن أتأخّر. يتأخر عن ماذا، عن أيّ، عن أيّة، عن متى؟ إن هذا المواطن الثاني، المواطن عُنوةً عنك وعن الدستور والاستقلال والذي، نكاية بالمجتمع كلّه المدقِّق معه، يحمل ساعة اليد رغماً عنه، يُفترض أن تُشترى منه هذه الساعة وبثمنٍ مُغرٍ، ثم تُهدى الى المواطن الأوّل البوهيمي المؤمن بالنبات ومريم نور وانتصاف الشمس والنهار. فهو يستأهلها أكثر من الثاني. فعلاً أعزّائي، ما العمل مع الأول ومع الثاني؟
ما هذا التعاطي الواثق تجاه الوقت والزمان وبالتالي الأمكنة، ما اسم هذه الجهوزية العجيبة تجاه العمل والإنتاج؟
أعزّائي، أيّها القرّاء، ويا أيّها الرفاق منهم،
إنّ كل شعب يعتبر كلمة : «شَغّيل» إهانة هو شعبٌ سينقرض، وقد بدأ بالفعل. لماذا؟ لأنه، لفراغ وقته وإساءة استعماله للوقت، سَيُساق. قد يُشرى، قد يُباع. وسيستخدمه الآخرون حاملو الساعات المخطّطون على عدد الثواني، المهتمون بالفرق بين الرقم 100 والرقم 98 ،65 مثلاً والذي هو 1 ، 35 // واحد فاصلة خمسة وثلاثون // والذي إن ضُرب برقم 1000 يُصبح 1350 // ألف وثلاثمئة وخمسون // وتغيب الفاصلة التي كانت بين الواحد والخمسة وثلاثين الى غير رجعة ويا للهول! فكيف يا إخوتي إذا ضُربت برقم 10 او 100 ألف، مهما كان نوع أو نوعية هذا الـ 1، 35 من الفرق؟ أكان: زيادة على معاش أم غرامةً أم ربحاً إضافياً يبدو بسيطاً حتى أنّه لا يُذكر، أم نسبةً للسكّري، أم نسبة علامات أحد أولادكم أم نسبة تهريب في ساعة كهرباء «سنتر الجزيرة»، أو بأسوأ الأحوال وفي الأصول نسبة النموّ الاقتصادي الأزعور ـــــ السنيوري؟ ...
إنّ شعبنا الذي يَمقت العمل بأكثريته الساحقة، وبالتالي فالـ «شَغّيل» إهانة، سيعيش وقتيّاً وبشكل مستمرّ في آنٍ واحد، وفي أيّة ساعة، حَمَلها أم لا، على استيراد اليد العاملة بكثافة ومن كلّ الجنسيات الجاهزة للعمل وسيحتقرها مهما فعلت أو حتى برعت. فهي تعمل والعمل إهانة وهو يكره الإهانة. بل يدعوهم الى الإهانة من خلال العمل. وهو، إن شعر بأنها ليست بكافية، (رغم الساعات الإضافية التي لا يشعر بها لكونه لا يحمل ساعة وإن حملها لا يستعملها إلاّ لتذكير الطبقة الأجنبية العاملة بأنّها تأخّرت خمس دقائق فجراً أو بأنّها أمضت دقيقة إضافية في التهام الساندويش خلال استراحة الظهر) سيُهينها بالكلام أيضاً. هذا الشعب نفسه سيُهاجر باستمرار الى حيث يُمكن له أن يعمل، لكن بالسرّ، في أعمالٍ يعتبرها مُهينةً فوق العادة. لذا قرّر أن يقوم بها بعيداً عن أرض الأجداد، الأرض التي تدمع عيناه عليها وعلى الحمّص. إنه شعبٌ يعاني مشكلة شخصية ثمّ اجتماعية. فكلّ من يعمل في السرّ لا يمكن أن يكون سعيداً كما لا يمكنه أن يعمل بأخلاق. وبالتالي سيكون، إن عَمِل، عاطلاً هذه المرّة، في العمل. فما العمل؟ إنّ هذا المواطن قد وجد جواباً وقتيّاً وبشكل مستمرّ حتى الآن عن هذا السؤال. يكون العمل بأن يكون هو «المعلِّم». وماذا «يعمل» المعلِّم؟ ينتظر تحويل النقود من مواطنيه العاملين بالسرّ في القارّات الخمس. فإن أتى التحويل، اغتنى واستقرّ واشترى «جِيباً» أكبرَ وخرج يدور به ويخلق الازدحام. وإذا كان الازدحام حاصلاً دونه، يشكو منه ومن «الحَيوَنة » الشعبية اللبنانية ومن شرطة سير بيروت ومن هيئة إدارة السير والآليات والمركبات التي توزّع رخص القيادة جِزافاً. وإن، ولسببٍ ما، في شهر كذا، لم يأت هذا التحويل: افتقده طبعاً و«افتقر» ومن ثم فَقِر. وراح يُمضي وقته مُكتئباً في نهر الفنون. وقتها، ينشغل باله على وضع الليرة فيسأل عنها، فيأتيه الجواب المباشر والمزمن: احتياطي الذهب ممتاز ولا خوف عليها، أي الليرة، بفضل كذا وكذا ... الى آخرها!
طبعاً أعزّائي، ما دامت ديون لبنان لا ولن تُسدَّد، سنظلّ مدينين ويظلّ احتياطي الذهب ممتازاً «بشكل أو بآخر». السؤال هنا: ما أو من هما هذان «الشكل» أو «الآخر»؟
سياسة
العدد ١٨٠٢ الجمعة ٧ أيلول ٢٠١٢

06‏/09‏/2012

ما العمل؟ | حوار العمر

زياد الرحباني
الحاضر- طيب، سؤال: أليسَ ممكناً أن يكون عندكم في المستقبل، أي شيء آخر، غير السنّي أو الماروني؟
المستقبل- (مستغرباً) من قال لكم ذلك؟ نحن عندما نتكلم عن المستقبل نقصد به مستقبل «اللبناني» دون أي تفرقة.
الحاضر- بالضبط، وأنا أتكلم عن هذا «اللبناني»
المستقبل- نعم
الحاضر- هل يمكن أن يكون هذا «اللبناني» شيئاً غير السنّي أو الماروني على سبيل المثال أو عن طريق الخطأ أو الضيافة مثلا؟ أعني من فترة لأخرى، ليس دوماً، طبعاً. أفهم ان يكون سنياً- مارونيا،ً بلا شك، كما الاستقلال، بطبيعة الحال.
المستقبل- (مقاطعاً) لا لا، بالعكس هذا ليس صحيحاً. هذه اشاعات عن المستقبل ليس إلاّ، ونحن المستقبل، ونحن ضدّها بالتأكيد.
الحاضر- ضد من؟المستقبل- (موضحاً) ضد هكذا نوع من الاشاعات المأجورة. إننا مستقبلٌ لكل اللبنانيين بدون استثناء، لكنني أود أن أوءكد هنا: اللبنانيين! وحصراً. أي ليس من هم إيرانيون أو سوريون لا سمح الله، فهمتني؟ آهه، هكذا. نحن، الشيعة أخوة لنا. كيف المسيحيون أخوان لنا؟ الشيعة أيضاً كذلك.
الحاضر- أهه... جيد. إذاً قلتَ أنك من المستقبل، أليس كذلك؟
المستقبل- طبعاً.
الحاضر- أعرِّفك بنفسي، فكما أنت من المستقبل، أنا الحاضر، لذا تجدني دائماً وبشكل يومي.
المستقبل- اهلاً تشرفنا. (صمت من اللياقة المشبوهة)
الحاضر- أهلاً بك أيضاً. هل تود ان تعرف لِمَ أنا حاضر؟ او لِمَ كلُّ واحدٍ منّا حاضر؟
المستقبل- إنكم طبيعياً حاضرون للمستقبل.
الحاضر- شكراً، أي حاضرون لكم. فلا تتفاجأوا بشيءٍ وخاصة بنا.
المستقبل- ومن قال أننا سنفعل؟
الحاضر- ربما، فأنتم عموماً تتصرفون كأنكم وُجدتم فجأةً دوننا، وأنا هنا أذكِّركَ أنَّ لا مستقبل بدون حاضر.
المستقبل- هذا معروف.
الحاضر- أرجو ذلك، لذا نحن لسنا حتى متساوين، فنحن من ينجبكم عادةً وانتم أولادنا، نحن من يحملكم حتى تبلغا، فتذكّروا ذلك جيداً، وتفضلوا بالاجابة علينا متى كَلَّمناكُم.
المستقبل- ولِمَ لا تَفكون الخيم أولاً؟
الحاضر- إنَّ هذه الخيم منصوبة حالياً، فهي: نَحنُ، وهي: الحاضر. فهل ننصبها اليوم ونَفُكُّها اليوم؟ سَنَفُكُّها يوماً ما في المستقبل!!!
المستقبل- أي متى يعني؟
الحاضر- متى تأكدنا أنَّ لنا فيه شيئاً، وهو ليسَ أنتم بمفردكم. صراحةً، نحن نخاف من مستقبلٍ لكم لا مُستَقبَلَ لَهُ، لِذا، الخيم باقية «حاضرا»ً « » « » « » « »... الخ.

سياسة
العدد ١٨٠١ الخميس ٦ أيلول ٢٠١٢

05‏/09‏/2012

ما العمل؟ | الشغب ـ ملحق

زياد الرحباني
كيف تريد ألّا تكون طبيعة قيادة السيارات أيضاً، على هذه الشاكلة في لبنان؟ كيف تريد أن يكون مجموع اجتهادات قانون السير مختلفاً عن الحالي المدهش؟ لمَ النقّ الدائم يا مخايل؟ ما دمت تشهد يومياً على تفاصيل تكاد تصبح عادية مثل أن يردّ النائب وائل أبو فاعور معلّقاً ومصححاً، على الرئيس نبيه برّي؟ أين الباب وأين الطاقة؟ هل هذه هي الديموقراطية؟ أم هي التقدمية الاشتراكية؟ لا أظنّ، إنّه قانون الغاب، مقلوباً. إنها سنّة الحياة الحيوانية، لكن في خيال الصور المتحركة. كأن يقضي سنجابٌ وحيدٌ على وحيدٍ للقرن لشدّة دهائه ونضاله الديموقراطي.
كيف تريد أن يكون شكل الصفّ في لبنان أمام محطةٍ للوقود، مستقيماً هادئاً؟ أو أن يتكلّم الناس بالدور عندما يتحادثون فينتبهون الى أنّ الانسان يجب أن يستمع، عندما يتكلّم الآخر؟ والنائبة المقدام نائلة معوّض تقول، قُبيل النصر العظيم بداية شهر آب الماضي، إنها «ربما تقبل بأن يحتفظ حزب الله بسلاحه الى أن يبدأ الحوار الحاسم حول نزعه»؟ وطبعاً: «أن يكون السلاح محصوراً بالجيش اللبناني». هذا الجيش، سيداتي سادتي، الذي يأتمر عموماً بالميجر معوّض، أينما حلّت: في الحكومة، في المنزل، في الشمال أو عند الحلّاق قبل بكركي. وفي حال انشغالها المذهل، خارج البلاد، لاجتماعها و«إيّاهم» بشيراك أو بفارس سعيد، لكن في باريس، تكون الإمرة العسكرية لكريمها: القائد الحالي، ميشال وليس سليمان بل معوّض. وهذا طبيعي، فقيادة القوى المسلحة العامة تعود في النهاية لرئاسة الجمهورية.
كيف تريد أن تقنع المواطنين بأن يلتزموا الهدوء، ولو مرّة في حياتهم، كرمى لعيني الله سبحانه، أو أن يخفّفوا الشطارة والكذب ليوم في الشهر، مخافة ربّهم، أو أن يوحّدوا الله يا أخي، كما يدّعون؟ وروجيه إدّه يعود ويصرّح، والنائب المخفي محمد الحجّار، كلّما حبل وليد بك، يُطَرّح؟
كيف تضبط اليافعين عن تقليد المراهقين؟ وعن الإحراق المتواصل لبطاقات الهاتف الخلوي المدفوعة سلفاً، ورئيس حكومتنا الأستاذ فؤاد السنيورة، هذا التكنوقراط اللامع، هذا الوزير السابق العصامي الدؤوب، العلمي الأوروبي في كثير من الأحيان، عاد وذُهل برئاسة الحكومة؟ بل عاد وتُيّم بالسرايا؟ إنهما يخرجان معاً، يسافران معاً أو يعتصمان.
إنّ كل ما سبق، يزيد من نشاط المشاغبين، يُخضعهم للعرض والطلب. إنها ظروفهم المثالية للإبداع. فكيف تهدّئ مَلِكهم؟ مَلِك الشغب بالصنوبر. إنه سعيدٌ عادةً يا للأسف ويا للاعوجاج بهذه الألقاب، وربما بهذه المقالة، فما العمل؟ كيف لا يا مخايل؟ وهو يُسَرّ عندما يُمتدح دهاؤه المؤذي دون شكّ؟ عندما يشهّر الصحافي البليغ «سايمور هيرش» باحتياله النادر حتى الاتهام؟ إنه يزهو على الأرجح، لمجرّد أن يذكره الصحافي المتخصّص «روبرت فيسك»، قبل يومين، فيخصّصه بـ«التسلّط الأكثر براعة وعدمية»! ماذا تريد؟ هذا معيار النجاح عند المشاهد. هذه، عادةً، كاريسما الأَوَنطا اليومية عموماً (وخاصة لدى جمهور النساء، ولماذا؟ الله العليم بذلك وبالنساء أنفسهنّ)، فكيف بالأَوَنطا السياسية لسوء الطالع؟ والنازل أيضاً من وإلى البريستول في المختارة.
إنّ الشغب يا أعزّائي، مغرٍ بلا شكّ. فكلّنا مارسناه في الصغر وتباهينا به بعضنا بين بعض، بل حاولنا في المناسبة وبواسطته، كسب ودّ الطالبات وجمعهنّ المؤنّث السالم منّا ومن ثقل دمّنا. وأذكر أنّ الأَوَنطا كانت صفةً إضافية اليه ليست إلزامية ولا مكمّلة. كان الشغب يلخّص بطولاتنا والأمجاد. أمّا الشغب اليوم، في الكِبَر، في مواقع المسؤولية والقيادة والقرار، شغبٌ على مستوى بلدٍ ملتهبٍ على الخريطة منذ الـ1975، وفضلاً عن أنه فوق تصوّر العقل لمجرّد استمراره، فيجب أن يَفشل، ونحن هنا حتى... «يُفشل».
الإمضاء: شهيدٌ حيّ منذ ما بعد 7 آذار 1988 ـــ الساعة التاسعة والثلث صباحاً ـــ السيارة مفخخة وموقوتة. إنّ للأوَنطا حدوداً، أما للبحث والـ«تحرّي»، فَصِلَة.
سياسة
العدد ١٨٠٠ الاربعاء ٥ أيلول ٢٠١٢

ما العمل؟ في العيد الأول

زياد الرحباني
... لهذه الأسباب ولغيرها، كتعاظم دور المنظمات الأهلية «غير الحكومية» واستفحالها، ولاستحالة الركون الى «جماهير» دول عدم الانحياز وأدبياتها، ولأن العالم في النهاية كما في البداية مقسوم على < رقم القسمة المتني> أي (2)، أعود اليوم الى العمود نفسه.
وكان فريق «الأخبار» قبيل صدورها، قد طبع منشوراً بعنوان «شو الأخبار؟» للتعريف بالشؤم الورقي المنتظر وفيه كلمات لجوزف سماحة وإبراهيم الأمين، عصام الجردي، زياد عاصي الرحباني، وخالد صاغية، يُفترض أنه كان يروّج لتعددية الرأي المرتقبة في الصحيفة عند صدورها، وبالتالي: للديمقراطية...
للموضوعية... وكل ما يمكن أن يُلحّن على هذه القافية. كان ذلك قبيل الرابع عشر من شهر آب 2006. وقد ذكرتُ في حينه وفي المنشور المذكور ما يلي نصّه:
“... وكوني لست إطلاقاً من المهووسين «بالديمقراطية» ولا، طبعاً، بالتفتيش عنها، إن وُجدتْ، وَجَدْتُ في فكرة التأسيس لصحيفة كهذه وتجمّع الأسماء الذي سيعمل على إصدارها، مكاناً لا بأس به للتعبير ــــــ كونهم «ديمقراطيين» ـــــ عن الإشتراكية العلمية وشيء من الديكتاتورية”.
فلهذه الأسباب التي كان لا بدّ من ذكرها أعود الى العمود. أعود ولا أدّعي بأن الجواب عندي، عن أي سؤال كان، إن عن شهر أيلول الذي يبدأ اليوم أو عن الشهر القادم.
أعزّائي القرّاء، لقد طُعنتْ الموضوعية لا بل تمّ تحديد جوهر معناها في كلمة رئيس الولايات المتحدة الأميركية جورج والكر بوش التاريخية في حينه أي قبيل اجتياح العراق في العام 2003، عندما قال: “كلّ من ليس معنا هو ضدّنا!». ولم تكن هفوة على الاطلاق كما أُشيع فالكلمة تلك هي على الأرجح لنائب الرئيس، ديك تشيني... مينيموم.
إن الموضوعية يا إخوتي في رأيي وفي رأي أصدقاء الطفولة في البيت الأبيض والبنتاغون، هي حصراً: كلّ ما ثَبُتَ أنه أصبح «حدثاً»، بالتالي لا منطق ولا جدوى من الجدل بخصوصه. والمفترض بالتالي أنه متطابق كليّاً حتى بين طرفين متنازعين على الذاتية أو الموضوعية أو الحرية أو الديمقراطية.
يبقى أن خبراً تلفزيونياً مفاده: “... وقد أسفر الحادث عن مقتل خمسة أشخاص جنوب اليمن، من بينهم تسعة جنود أميركيين من الوحدات الخاصة المتمركزة في عمق المناطق الحوثية» ــــ هذا الخبر طبعاً لا يُعقل لا ذاتياً ولا موضوعياً. لذا، فإنك ترى أنّ الأطراف المتناحرة، في معظم الاحيان، تُجمع على استعماله.
ننشر تباعاً وحتى نُكمل فعلاً من حيث انتهينا، 12 مقالاً مختاراً مما سبق أن نشر بين 2007 و 2008. آملين أن يُفهم مضمونها هذه المرّة، كون اللاحق الجديد الآتي بعدها سيغدو مستعصياً على الذهن اليومي المثقل، في حال لم تُفهم أو جرى التشهير بصاحبها لغاية في نفسَيْ يعقوب ومريم (!= يعقوب // !! = مريم) = !!!
■ ■ ■
في العيد الأول
إلى العزيز، الأستاذ جوزف سماحة المحترم
تحية وبعد
أما وقد مرّ العام الأول على صدور «الجريدة»، هذه التي حلمتَ بها منذ لا أدري متى، ونحن مجتمعون في الغرف نفسها التي توزعتموها في البداية، مجتمعون لإصدار عدد الرابع عشر من شهر آب، بورق إضافي رمزي، لهذه الذكرى، لم نفكر لحظة، يا عزيزي، بمن يمكن أن يهمّه ذلك، أو تلك المناسبة، لم نفكر لأنه يهمّنا نحن. أجل...
لقد أردنا أن، وقررنا أن، لقد صمّمنا على أن يهمّنا... المكان والزمان وهذا المبنى وكل هذا الشيء الذي يُصدر صحيفة فجر كل يوم. كل هؤلاء الناس العاملين هنا، مطأطَئي الرؤوس، يقودون طاولاتهم وراء الأخبار وتعرفهم جيداً.
فأنت والعزيز إبراهيم، من درتما عليهم تجمعانهم واحداً واحدةً لتُجمع معهم الكلمات الصائبة وتصيب، ليُشعَل مرةً أخيرة، أملٌ طَموحٌ قبل المغيب، جمعتماهم بوجه أعداء البلد البسيط السهل والعاصي... وها هم اليوم يا «أبو الزوز» (مع حفظ الألقاب والصور) نجحوا معاً ويريدونك أن تعلم ذلك. أن تعلم وتبلّغ في العلى كما في التراب، كل من آمن بأرضه وشعبه وسَبَقَنا: أننا نجحنا. وسننجح بعد! لأن العدو ضخم لكن جبان، لأنه يقوى في الليل، أما نحن ففي النهار، لأنه يصدر الكثير من الدخان الأسود، لكن الشمس أقوى والريح، لأنه لم يقرّر أن يموتَ ويعجزُ عن ذلك. ورغم ذلك هو، كنفطه والذهب، لا يفهم أو ينفع إلا بالاحتراق!
عزيزي جوزف
يا رفيق الدوام، يا ملك الروح الطويلة والنبيلة
اكتشفت، منذ غيابك، أنني لم أقتنع بالغياب هذا، أو بهذا النوع من الغياب، لم أقتنع أو أنني لا أصدق. كل ما أعترف به، هو أنني لم أعد أراك شخصياً. لكنني اكتشفت في المقابل أن كل ما يصوّره العقل لا يُمحى فلا يُنسى فلا يموت. الصورة واضحة جداً. الصورة نقيّة، مطبوعة، لذا فهذه الصورة تُنقَل، هذه الصورة تُكبَّر، يمكن أن يُطبع منها الملايين. ونحن هنا طبعاً، فقد أصبح لنا مكان وزمان يُذكران في الأخبار.
(نشر في ١٤ آب ٢٠٠٧)
سياسة
العدد ١٧٩٧ السبت ١ أيلول ٢٠١٢

04‏/09‏/2012

ما العمل؟ | فوراً أرجوكم!

زياد الرحباني
... لذا يا إخوة، وبعد كل ما مررت عليه من عقائدَ وقناعات، عبر السنين، بعد كل الأخذ والردّ في مواضيع بسيطة جداً في الأساس، إنما سمّوها عن غير رغبة في التحقيق: وجدانية، بعد الشيء وعكسه، بعد الفعل ونقيضه، بعد عهودٍ من السهر المديد، والتأكّد شخصياً من أنواع الفجر على امتداد أشهر السنة، وبعد النهوض باكراً بغية التثبّت من أن الحياة قد تكون عظيمة بهذا الشكل، عدتُ وسلّمت في النهاية:
بأنّا للّه وأنّا إليه راجعون. واعترفتُ، وها أنا أكرّر أمامكم أن هذا الاعتراف هو أفضل أنواع المصائر التي يمكن أن نتمنّاها لأنفسنا ولكلّ نفسٍ بشريّة، شريفةً كانت أو دنيئة. وها أنا أعترف أيضاً بالجنّة وبالنار، والأصحّ أنّي أُسلّم معكم جميعاً بذلك. فأنتم أكثرية كبيرة مؤمنة، منتشرة في المعمورة، لها ظروفها التاريخية، لها عاداتها والتربيات المختلفة التي أجمعت، بصعوبةٍ، على بعضٍ من مزايا الخالق والكون. تناقلت تلك القيم عن السّالفين، وبدورها نقلتها لكم. وها أنتم تنقلونها لأحفادكم، وأنا واحدٌ منكم أو منهم، لا فرق، فأنا لن أعاكسكم، أو أعاكس أحداً وحدي في ذلك. لا أنا، ولا ربّما بعض الأفراد «الماديين» والتعساء عموماً. فالمؤمن يَغْلبنا جميعاً بإيمانه بالآخرة، بأملٍ ظاهرٍ عليه، أتمنّى له أن يكون صادقاً، فهو الخسران إن كذب. يغلبنا بأمله في حياةٍ ثانيةٍ فيها كل المعنى المفقود خلال حياته الحالية على الأرض. فبناءً على ما سبق، أعلن لكم، أولاً: أنّكم، الأرجح، على حق، وأنا أؤيّدكم، حتى لو كنّا متفاوتين بنسب الإيمان أو بمعدّل حضوره المستقرّ الدائم. ثانياً: لذا أطلب منكم، بحياة أعزّ أحبائكم، بجاه الله، ومريم البكر والنبي (ص)، وأُحلّفكم ببعضٍ ممّا قد تكنّونه لي من المحبّة العموميّة التي تدعو إليها جميع أديانكم، بما فيها اليهودية، وأطلب منكم: إن كان لديكم شيء، أو بالأحرى أطلب ممّن لديه شيء يحبّ أن يريني إيّاه، فليفعل فوراً، أو لنقُل في أقرب وقت ممكن، أرجوكم. فأنا، لظروف خاصة، غير مستعدّ لأن أنتظر ذلك إلى ما لا نهاية أو إلى ما بعد ولوجي الجنّة أو النّار، لا سمح الله. إذا كان أحدكم يعرف شيئاً عن مستقبل باريس 3، أو مَن تبقّى من المهجّرين، أو عمّا وصل إليه السيد فؤاد بطرس في قانون الانتخاب الموعود الجديد، أو أيّة لمحةٍ مقتضبة عن جدوى الفدرالية، إذا كان ممكناً أن نعرف أين صار التحقيق في «الليبتون» وثكنة مرجعيون، فليقل لي، وعلى هذه الأرض. فأنا، إن كنتُ سأكون في الجنّة يوماً ما، لا أحبّ المفاجآت بطبعي، وهذا طبعي، وطبعي لي، وهو من فضل ربّي، مبدئياً، ولا أعرف الجنّة سابقاً، فقد يكون من الصعب فيها التدخّل أو الاعتراض على القضاء، أو مساءلة الأدلّة الجنائية أو حتّى الدرك. أعطوني فكرة كيف ستكون بيروت بحسب تلفزيون «المستقبل»، مدينة عريقة للمستقبل؟ فوضعها الحالي، كما هو وضع البنك المركزي، لا يوحيان ثقةً مفتوحة لامتناهية. سيأتي وقت حكماً، وهو قبل الآخرة، سيضطّر فيه لبنان ورياض سلامة، أطال الله بعمرهما، للبدء بسداد الديون... ولّا لأ!؟
أخيراً، قولوا لهذه المرأة العظيمة التي تقود سيارتها وحدها، ليل نهار، وتهتمّ يوماً بعد يوم، أكثر فأكثر، بصحّتها وبنضارتها، وهي أينما حلّت تروي وتصرّح أنّ لديها تجاهي شعوراً خاصاً جداً، وأني بالنسبة إليها، غير كل الناس والأصدقاء والأقربين. قولوا لها إن عادت وكلّمتكم بذلك، أن تحدّد ما هو هذا الشعور. أرجوكم قولوا لها: أرجوها. فالوقت يمرّ بسرعة كما دائماً، وهو في لبنان دون قيمة. قولوا لها إنّني لست أكيداً أننا سنلتقي في الجنّة، فأنا مؤمن متدرّج جديد، وما زلت عرضةً للشكّ وللشيطان الرجيم، لعنة الله عليه. وأعرف أن الجنّة، وإن كانت موجودة، فسأكون أنا فيها بلا شك، لكنّها هي لن تكون بالتأكيد. لذا فلتكلّمني في أقرب فرصة إن كان لديها فعلاً تجاهي شيء بهذه الأهمية، وشكراً.
سياسة
العدد ١٧٩٩ الثلاثاء ٤ أيلول ٢٠١٢

03‏/09‏/2012

ما العمل؟ | «Al Hiwar»

زياد الرحباني
ـــــ 8 آذار: (عربي مَحكي) خِدلَك شَقلِة عا مقابيلي (أي: احملْ معي).
ـــــ 14 آذار: (عربي ـــــ أكثرية) ?Keef yeeni (أي: كيف يعني؟ بلغة 8 آذار أو آذار بمجمله عادة).
ـــــ 8 آذار: (موضحاً) شقلة شقلة!
ـــــ 14 آذر: ?c’est quoi cha’leh (أي: ما هي الشقلة؟)
هنا توقف الحوار. كيف يمكن هذا الحوار البسيط ألاّ يتوقف وبالتالي يستمرّ؟ هنا السؤال. يبدو السؤال بسيطاً وربما سخيفاً، إذ إنّ «الشَقلِة» ليست مهمّة وطنية. وإذا افترضنا أنّ «عا مقابيلي» أيضاً غير مهمة لا بل سخيفة، تبقى لدينا كلمة: «خِدلَك»، وهي وحدها لا تعني شيئاً، أو بالعكس قد تلتبس على بعض الناطقين من 14 آذار، لكونها مشتقّة (دون أن يعرفوا معنى مشتقّة، وهذا أيضاً ليس مهمّاً) مشتقّة من فعل: أخَذَ ــــ يُؤخَذُ ــــ لذا ربما فُهمت «خِدلَك»، خطأً، أنها: «خود»، وما أدراك ما هي: «خود». إنها «خُذ» بلغة قريش، بالتالي دار الإفتاء أيضاً، وربما فُهمت بسبب سوابق التفاهم العالي بين فريقي آذار، كشتيمة بذيئة. وهي لا ناقة لها ولا جمل. وهنا أيضاً الناقة لا تُتَرجم. ربما الجمل، لكونه صورة الشرق الدائمة المختَصرة التي روّجها الاستعمار من الميدان حتى الثقافة، منذ بدايات الألفية السابقة حتى اليوم وربما حتى النصر.
التحليل طال لكنّه ضروري. فالمشكلة ليست في هذه الجملة من الحوار، المشكلة واقعة مع بدء أيّ حوار، وخاصة، طبعاً، المصيري الوطني العام منه، الملحّ جدّاً. فهلاّ تفضّل بعض حلفاء 14 آذار المتشدّقين عادةً، وخصّصوا شيئاً من وقتهم للترجمة بين بعضهم، قبل الانقضاض على النصف المعطّل وشروط المحكمة الدولية وآخره تسليم بل تنظيم سلاح المقاومة؟ أين شباب الجبل التقدمي الاشتراكي من الترجمة؟ فالعزّ عموماً بالعربي. أين البيك الذي ورّط الجميع بالتجمّع والتحالف ضدنا أوّلاً ومن ثم ضد باقي العرب الممانعين بدءاً بسوريا؟ تَرجِموا لحلفائكم أولاً.
إنّ أكثرية أهالي بيروت والسنّة عموماً، يفترض بهم أن يعرفوا ما هي «الشَقلِة» وأين هو «مقابيلي»، فأين هم من الترجمة أيضاً؟ ربما أقليّة شابّة منهم تكثر لغوياً من الـpeace والـ In والـ cool صلّى الله عليه وسلّم، لا تعرف هذه العبارات «المتوحّشة» و«السافلة». لذا فالترجمة هنا مصيرية بالتلازم مع الحوار، وإلا فإنّ انفراط عقد 14 آذار لم يعد بعيداً وبالتالي مَن سنحاور بعد ذلك لا سمح الله؟ أين دريد ياغي؟ أين أنت يا أكرم؟ «حَيلَك عالحلفا!»، أظنّك والجبل تعرفان ما «الحَيل» ولن نضيّع وقتنا بترجمتها لمن لا يعرف ما هي «الشَقلة». أين القحباء لا تترجم؟ فهي عموماً، بالإضافة الى اللغات المحكية، تتقن لغات إضافية إيمائية وأيضاً بالعيون. أين الشاعر المخضرم طليع حمدان؟ أين زغلول الدامور الذي هجّرته «الحركة الوطنية» بهفوة لا تُغتفر ولا نحبّ أن نتذكّرها، لكنها ليست بحاجة، لأنها، بحدّ ذاتها، لا تُنسى. أين «الريّس» سليم دياب الذي يعرف، على الأقلّ، لغات ثلاثاً بالإضافة الى «اليابانية الحصرية» لتعدّد الوكالات التجارية الإنسانية التي يتربّع عليها...
ترجموا بعضكم لبعضٍ يا إخوتي ثم ادعوا للحوار. أو أرسلوا أحداً يتكلّم العربية العادية. أجل، إن الرئيس السنيورة بليغ بالعربية وكان من الممكن أن يفي بالغرض لكنّه غير متمرّس بـ«المنطق»، لذا يمكنكم، ولاختصار الوقت، أن تنسوا الترجمة ربما، وتُرسلوا شخصاً الى جانبه منطقيّاً نوعاً ما، حتى نبدأ هذا الحوار. لقد تأخر فعلاً لكنّه لم يزل لدينا بعض الوقت. يعني «يلعن إخت هالشَقلِة»!!!
∎ ∎ ∎
بالمحبّة والـ E-mail
كِل شي عم نِبنِي بالـ weil
سياسة
العدد ١٧٩٨ الاثنين ٣ أيلول ٢٠١٢